الشيخ محمد رشيد رضا

312

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) وكل هذه الضروب من الاستعجال كانوا يقصدون بها تعجيز الرسول ( ص ) مبالغة في التكذيب ، واستهزاء بالوعيد ، وقوله اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ معناه كاستعجالهم بالخير الذي يطلبونه لذاته بدعاء اللّه تعالى أو بمحاولة الأسباب التي يظنون أنها قد تأتي به قبل أوانه لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ قرأ ابن عامر ويعقوب الجملة بالبناء للفاعل أي لقضى اللّه إليهم أجلهم ، وقرأها الجمهور بالبناء للمفعول للعلم بالفاعل . وقضاء الاجل إليهم انتهاؤه إليهم باهلاكهم قبل وقته الطبيعي « 1 » كما هلك الذين كذبوا الرسل واستعجلوهم بالعذاب من قبلهم . ولكن اللّه تعالى أرحم بهم من أنفسهم ، وقد بعث رسوله محمدا خاتم النبيين رحمة للعالمين ، بالهداية الدائمة إلى يوم الدين ، وقضى بأن يؤمن به قومه من العرب ، ويحملوا دينه إلى جميع أمم العجم ، وأن يعاقب المعاندين من قومه في الدنيا بما يكون تأديبا لسائرهم ، بما بينه بقوله ( 9 : 14 قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ) الآية ، ويؤخر سائر الكافرين منهم ومن غيرهم إلى يوم القيامة ، فهو لا يقضي إليهم أجلهم باهلاكهم واستئصالهم ، لان هذا العذاب إذا نزل يكون عاما بل يذرهم وما هم فيه إلى نهاية اجالهم وذلك قوله فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ الطغيان مجاوزة الحد في الشر من كفر وظلم وعدوان . هذا هو الأصل وطغيان السيل والبحر والدم مستعار منه والعمة . ( كالتعب ) التردد والتحير في الامر أو في الشر ، والمعنى فنترك الذين لا يرجون لقاءنا ممن تقدم ذكرهم فيما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب ، يترددون فيه متحيرين لا يهتدون سبيلا للخروج منه لا نعجل لهم العذاب في الدنيا باستئصالهم ، حتى يأتي أمر اللّه تعالى في جماعتهم بنصر رسوله عليهم ، وفي أفرادهم بقتل بعضهم وموت بعض ، ومأواهم النار وبئس المصير ، الا من تاب وآمن منهم ، أي هذه سنتنا فيهم لا نعجل شيئا قبل أوانه المقدر له بمقتضى علمنا وحكمتنا .

--> ( 1 ) راجع تفسير ( ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) في أول سورة الأنعام ( ج 7 تفسير